Chapter 1 of 3
Chapter 1: وحيدة بين الذئاب
1.4k words
ارتجفت سيريا، ليس من برد الليل القارس فحسب، بل من صدى الطبول التي اخترقت سكون القرية. كانت ضربات منتظمة وثقيلة، تتراقص مع نبضات قلبها المتسارعة، معلنة قرب ساعة القربان المشؤومة. انزوت أكثر في زاوية كوخها المتهالك، يديها النحيفتان تضغطان على فمها لتكتم شهقة خوف.خصلات شعرها الفضي اللامع انسدلت حول وجهها الشاحب، كشلال من ضوء القمر. عينان بنفسجيتان واسعتان تعكسان رعبًا قديمًا، ميراثًا حملته منذ ولادتها. كانت هذه السمات هي لعنتها، التي جعلتها منبوذة، "ابنة القمر البارد"، كما يلقبها أهل القرية همسًا.لم تكن مثل الأخريات. لم تكن بشرتها بلون الحنطة، ولا عيناها ببني التربة أو خضرة الغابة. كانت بيضاء كالثلج، وعيناها كلون زهرة لم يرها أحد. لهذا السبب، ولسبب آخر تجهله، كانت دائمًا هدفًا لسخطهم وخوفهم.تسلل صوت شيخ القرية الأجش عبر الأبواب الخشبية الرقيقة. "ساعة التضحية قد حانت! يا أبناء القرية، اجتمعوا عند الحجر المقدس! لنقدم قرباننا للذئاب، لعلها ترحمنا هذه الليلة!"اختنق الهواء في رئتيها. هذه الليلة. كانت تعلم أن يومها قد اقترب، لكنها لم تتوقع أن يكون الليلة. كان قلبها يدق بعنف، يهدد بالقفز من صدرها.اندفعت أصوات الجيران من الكوخ المجاور، يصرخون بأسماء أبنائهم، يتوسلون للآلهة أن تعفو عنهم. تضرعات يائسة، لكنها لا تملكها. لم يكن لديها من يتضرع لأجله، أو يتضرع لأجلها. كانت وحيدة.---سُحبت سيريا من كوخها بقوة، ذراعان غليظتان تمسكان بها. لم تقاوم. أي مقاومة كانت ستقابل بالمزيد من العنف، وبكلمات قاسية تخبرها أنها لا تساوي شيئًا. جسدها النحيل كان ضعيفًا جدًا أمام قبضاتهم.دُفعت نحو الحجر المقدس، وسط حشد من الوجوه المتجهمة، العيون التي تطلق سهام السخط والاشمئزاز. لم تبكِ. الدموع كانت قد جفت منذ زمن طويل، مخلفة وراءها مرارة لاذعة.وقفت بجوار فتاتين أخريين، أكبر سنًا منها. ارتدت كلتاهما أقمشة حريرية شفافة، تكشف أكثر مما تستر، إعدادًا لطقوس يعرف الجميع معناها. كانت أجسادهما مرتعشة، وعيونهما تفيض بالدموع.لم يلبسوا سيريا شيئًا مميزًا. كانت لا تزال ترتدي ثوبها البسيط المهترئ، رمزًا لعدم أهميتها حتى في طقس الموت. كانت صغيرة جدًا، نحيلة، لا تملك الجمال المثير الذي يُعتقد أنه يرضي الذئاب. كانت مجرد كبش فداء، يرمونه إلى المجهول.رفع شيخ القرية عصاه المحفورة عاليًا، صوته يهدر في السكون الذي خيم فجأة. "من بين هؤلاء الثلاثة، أيها الذئاب العظيمة، أختار لكم... ابنة القمر البارد!"تسمرت سيريا في مكانها. شهقة جماعية ارتفعت من الحشد، ممزوجة بالارتياح والهمس المتعجب. كانت تعلم. لطالما عرفت.عيناها البنفسجيتان التقيتا بعينين بنيتين مليئتين بالشفقة لوهلة من إحدى الفتاتين الأخريين، قبل أن تشيحا بوجهيهما عنها، سعادتان بالنجاة.لم يشعر أحد بالأسف عليها. كانت مجرد سيريا، الفتاة غريبة الأطوار التي لا تنتمي.---جُرّت سيريا نحو حافة الغابة، حيث تبدأ ظلمة شجر الصنوبر الكثيفة. كانت الرائحة مختلفة هنا، رائحة التربة الرطبة، الأوراق المتساقطة، وشيء آخر... رائحة حيوانات برية، لا تخطئها حاسة الشم.رفعت رأسها. فروع الشجر المتشابكة حجبت ضوء القمر الفضي الذي حملت اسمها منه. كان الظلام هنا كالحًا، كثيفًا، يبتلع الأمل.دفعوها بقسوة، لتسقط على ركبتيها. "اذهبي، أيتها اللعينة!" هتف أحدهم. "اذهبي إلى مصيرك!"لم تنبس ببنت شفة. نهضت بصعوبة، جسدها يؤلمها من السقوط. نظرت خلفها، نحو القرية المضيئة بضعف، نحو الوجوه التي بدت الآن كالأشباح في المسافة. لم تتوسل، لم تبكِ. كانت كدمية خشبية، لا حياة فيها.التفتت نحو الغابة. خطوة. خطوتان. ثم انهارت قدماها تحتها. ليس من خوف، بل من إرهاق روحي وجسدي. جلست على الأرض الباردة، لا تعرف ماذا تفعل. تنتظر الموت؟ تهرب؟ أين تهرب؟بدأت الأصوات تزداد وضوحًا. حفيف أوراق، خشخشة أغصان، ثم صوت خفيف أشبه بالخطوات. خطوات ليست بشرية.تصلبت. رفعت رأسها ببطء، عيناها تتسعان في الظلام، تحاولان تمييز أي حركة.لم ترَ شيئًا في البداية. ثم، من بين ظلال الأشجار، ظهرت عينان. عينان ذهبيتان لامعتان، تشعان في العتمة، كجمرتين مشتعلتين. كانتا كبيرتين جدًا، حادتين، تحملان عمقًا لا يمكن فهمه.---جسد ضخم أسود بدأ يتشكل خلف العينين الذهبيتين. لم يكن ذئبًا عاديًا. كان هائلاً، يفوق حجم أي ذئب سمعت عنه في حكايات الجدات المخيفة. فروه كان كليل حالك السواد، يمتص الضوء من حوله.تقدم الذئب بخطوات محسوبة، بلا صوت تقريبًا. كل عضلة في جسده كانت تتدفق بقوة مذهلة. خيم صمته على الغابة، ولم يعد يسمع سوى دقات قلب سيريا المجنونة.رفع الذئب رأسه، أنفه الكبير يتشمم الهواء. توقف على بعد بضع خطوات منها، يحدق بها بعينيه الذهبيتين الثاقبتين. لم يكن في نظراته أي رحمة، بل تركيز شديد، ودراسة عميقة.لم تصرخ سيريا. لم تستطع. كان حلقها قد جف، وكأن حبلًا خفيًا يلتف حوله. كانت تنتظر. تنتظر أن يهجم، أن ينهي كل شيء بسرعة.أمال الذئب رأسه قليلاً، ثم خطا خطوة أخرى نحوها. شعرت سيريا ببرد يزحف إلى عظامها، ليس من الطقس، بل من وجوده المهيب.كان مختلفًا عن كل ما تخيلته. كان هناك ذكاء حاد في عينيه، ليس مجرد غريزة حيوانية. كان يدرسها، يقيمها.انتظر طويلاً. دقائق بدت كالأبدية. ثم، بخطوة مفاجئة وسريعة، اقترب أكثر. لم يهجم. بل أنزل رأسه الضخم، وشم شعرها الفضي، ثم أنفها، ثم رقبتها. كانت أنفاسه ساخنة ورطبة، لكنها لم تحمل رائحة دم.ارتجفت سيريا. كانت هذه أقرب مسافة بينها وبين الموت. لكن الذئب لم يفعل شيئًا. اكتفى بشمها، كأنه يتأكد من هويتها.---رفع الذئب رأسه مرة أخرى، عيناه الذهبيتان لا تزالان مثبتتين عليها. ثم حدث شيء غريب. دفع أنفه الضخم بلطف تحت ذراعها. لم تكن دفعة عدوانية، بل دفعة توجيهية، وكأنه يريدها أن تنهض.لم تفهم سيريا. هل يريدها أن تتبعه؟ إلى أين؟ حاولت النهوض، لكن ساقيها كانتا خائرتين.أصدر الذئب صوتًا خفيفًا من حلقه، همهمة عميقة، ثم دفعها مرة أخرى. هذه المدفعة كانت أقوى قليلاً، جعلتها تفقد توازنها وتتجه نحو أحد جانبيه.قبل أن تسقط، انحنى الذئب قليلاً، وفجأة، وجدت نفسها تتدلى على ظهره العريض. كانت مفاجأة صاعقة. لم يهجم، لم يعض، بل حملها، برفق غير متوقع من كائن بهذا الحجم.تشبثت سيريا بفروه الكثيف، الخوف لا يزال يخنقها، لكن الذهول كان أقوى. كانت رائحته قوية، رائحة الغابة البرية، لكنها لم تكن كريهة. كانت رائحة ذئب، لكنها مختلفة.بدأ الذئب يتحرك. خطواته كانت واسعة وهادئة، بالكاد تحدث صوتًا على أرض الغابة. كانت السرعة مذهلة. الأشجار تتراجع بسرعة، تتحول إلى ظلال ضبابية.كانت رحلة لا تصدق. مرت الساعات، والذئب لا يتوقف. شعرت سيريا بالبرد يزداد، ثم بالنعاس يداهمها. لم تكن تعرف لماذا لا تزال على قيد الحياة، ولماذا يحملها هذا الكائن المفترس بدلاً من أن يلتهمها.أدركت شيئًا غريبًا. لم يكن هناك أي ذئاب أخرى. لم تسمع عواء، لم ترَ أي عيون ذهبية أخرى في الظلام. كان هذا الذئب وحيدًا.---بعد ما بدا وكأنه أبدية، بدأت الأشجار تتراجع تدريجيًا. لم تكن هناك قرية أخرى، ولا أضواء. بدلاً من ذلك، ظهر بناء ضخم من بين الظلال الكثيفة.لم يكن حصنًا حجريًا قديمًا كما تخيلت. كان قصرًا. بناء مهيب، مصنوع من حجارة داكنة، ذات أبراج وقناطر مزخرفة. كانت نوافذه مظلمة، لكن هيبته كانت طاغية، تليق بملك.كانت صدمة. قصر في عمق غابة الذئاب؟ ومن يعيش فيه؟ الذئاب ليست بحاجة إلى قصور.توقف الذئب أمام البوابة الخشبية الضخمة. أنزلها بلطف على الأرض، كما لو كانت قطعة خزف ثمينة.كانت قدماها بالكاد تحملانها. رفعت رأسها لتحدق في القصر، ثم في الذئب. كانت عيناه الذهبيتان لا تزالان تراقبانها بلا انقطاع.أصدر الذئب همهمة عميقة أخرى، ثم دفع رأسه نحو البوابة، وكأنه يطلب منها الدخول.ترددت سيريا. الدخول إلى قصر مجهول مع ذئب عملاق؟ هل هذا جنون؟ لكن البقاء في الغابة كان يعني الموت المؤكد. وهذا الذئب، رغم حجمه المخيف، لم يؤذها.دفعت البوابة ببطء. انفتحت بصرير خفيف، كأنها لم تُفتح منذ زمن بعيد. ولجت سيريا إلى الظلام، لكن الذئب لم يتبعها على الفور. بل وقف عند المدخل، عيناه الذهبيتان تراقبانها من الظلام الخارجي.كانت قاعة واسعة، لكنها خالية من الأثاث، ومغطاة بالغبار. كان الهواء راكدًا، باردًا، يحمل رائحة تراب قديم ورطوبة. خطواتها كانت تتردد في الفراغ، صوتها يضيع بين الجدران العالية.أين هو؟ تساءلت. ولماذا أحضرها إلى هنا؟سمعت صوت حركة خلفها. التفتت بسرعة. لم يكن الذئب. بل كان رجلًا.رجل طويل القامة، مفتول العضلات، شعره الفاحم منسدل على كتفيه العريضتين. عيناه... كانت عيناه الذهبيتان نفسهما التي رأتهما في الذئب. كانت نظرته حادة، مركزة، قوية.كان يرتدي سراويل بسيطة من القماش الداكن، وصدره عارٍ. عضلاته كانت تبرز بوضوح، مرسومة بإتقان. كانت هيبته طاغية، تملأ المكان.تجمد الدم في عروق سيريا. كان الذئب. هذا الرجل هو الذئب.لم يكن هناك أي شك. كانت نفس النظرة، نفس القوة الهادئة. كيف؟ كيف يمكن لكائن أن يتحول هكذا؟ماذا يعني هذا؟ هل كانت في خطر أكبر الآن؟ أم أن هذا التحول كان وعدًا بنوع مختلف من المصير؟خطا الرجل خطوة نحوها. صدره العاري يرتفع وينخفض ببطء. لم يقل شيئًا، لكن نظرته الذهبية كانت تلتهمها، تستكشفها بكل تفاصيلها.لم تكن تتوقع أن يكون قربانها للذئاب، هو أيضًا قربان لها. قربان لحياته، لسيطرته. شعرت بأنها قد دخلت قفصًا ذهبيًا، لا مفر منه.ارتفعت يده ببطء. لمست خصلة من شعرها الفضي، ثم انزلقت لتلامس رقبتها، ثم انزلقت ببطء نحو كتفها. كانت لمسة باردة، لكنها أيقظت فيها رعشة عميقة.عيناه الذهبيتان لم تفارقا عينيها البنفسجيتين. كانت هناك شهوة عميقة، لكنها كانت ممزوجة بشيء آخر... تملك.كان مصيرها قد تغير. لم تعد قربانًا للموت. بل كانت الآن... ملكًا لهذا الذئب المتحول.أزاح خصلة شعر عن وجهها، ثم اقترب أكثر، حتى صارت أنفاسه تداعب بشرتها. همس بصوت عميق، كهدير خفيف، جعل كل خلية في جسدها تستجيب. "أنتِ لي."