Chapter 1 of 1

الفصل الأول: الطفلة التي جاءت وحدها

1.3k words

كانت الساعة قربت من اتنين بعد نص الليل، والمطر بينزل بغزارة على شوارع المنصورة، والبرق بينور السما كل شوية، كأنه بيعلن عن ليلة عمر محمود المنشاوي ما كانش يتخيل إنها هتغيّر حياته بالشكل ده. قدام باب غرفة العمليات، كان محمود واقف مش قادر يقعد، بيمشي خطوتين ويرجع مكانه، وكل شوية يبص للباب المقفول. من جواه كان بيدعي ربنا إن مراته سعاد تقوم بالسلامة، وإنه يسمع صوتها وهي بتناديه باسمه زي كل مرة. سعاد ما كانتش مجرد زوجة بالنسباله؛ كانت صاحبته وأمانه والإنسانة الوحيدة اللي قدر يحكيلها عن كل حاجة جواه. من يوم ما اتجوزها، وهو شايف إن الدنيا مهما ضاقت عليه، طول ما هي جنبه هيقدر يتحمل. لكن الليلة دي كانت مختلفة. خرج الطبيب من غرفة العمليات، وملامحه كانت كفاية تخلي قلب محمود يقبض. جري عليه وسأله بلهفة: — دكتور، سعاد عاملة إيه؟ هي كويسة؟ أقدر أشوفها؟ الطبيب سكت لحظات، وبعدها قال: — إحنا عملنا كل اللي نقدر عليه، لكن حصل نزيف شديد، وحاولنا نسيطر عليه بكل الطرق. محمود مسك ذراع الطبيب. — يعني إيه؟ اتكلم! مراتي فين؟ أنا عايز أشوفها! الطبيب نزل عينيه قبل ما ينطق بالكلمات اللي هتفضل تطارد محمود سنين: — البقاء لله يا أستاذ محمود… إحنا فقدنا مدام سعاد. محمود رجع خطوة لورا، وكأنه ما فهمش الكلام. — لأ. هز راسه بعنف. — لأ، إنت أكيد غلطان. دي كانت بتكلمني من شوية! كانت بتقولي إنها عايزة تشوف بنتها! صوته بدأ يعلى: — ناديها! أنا عايز مراتي! سعاد مش ممكن تسيبني! حاول الطبيب يهدّيه، لكن محمود دفع إيده بعيدًا ودخل ناحية الغرفة. كانت سعاد راقدة على السرير، ساكنة بشكل عمره ما شافه عليها قبل كده. قرب منها ببطء، ومسك إيدها الباردة بين إيديه. — سعاد… أنا جيت يا حبيبتي. استنى إنها تفتح عينيها، أو تحرك صوابعها، أو حتى تتنفس بصعوبة. لكن مفيش حاجة حصلت. انحنى عليها، وصوته اتكسر: — قومي يا سعاد… عشان خاطري. إنتِ وعدتيني إننا هنربي بنتنا سوا. إنتِ اللي اخترتي اسم ملاك، فاكرة؟ كنتِ بتقولي إنها هتبقى أجمل حاجة في حياتنا. دموعه نزلت على إيدها. — طب وأنا هعمل إيه من غيرك؟ هعيش إزاي وإنتِ مش هنا؟ في اللحظة دي، سمع صوت بكاء طفلة جاي من الغرفة المجاورة. بنتُه. الطفلة اللي كانت سعاد مستنياها، واللي جهزت لها هدومها واختارت اسمها قبل ما تشوف وشها. محمود بص ناحية الصوت، وملامحه اتغيرت بين الوجع والذهول. بعد دقائق، دخلت الممرضة وهي شايلة المولودة الملفوفة في بطانية بيضا. — دي بنت حضرتك يا أستاذ محمود. الحمد لله، الطفلة بخير. مدت له الصغيرة. محمود بص لها طويلًا. كانت عينيها مقفولة، ووشها صغير جدًا، وإيديها بتتحرك وسط البطانية. مد إيده وشالها بحذر، كأنه خايف تتكسر بين ذراعيه. فتحت الطفلة عينيها للحظة، وأصدرت صوت بكاء ضعيف. محمود بص لها، ودموعه لسه على وشه. — أمك مشيت يا بنتي… قربها من صدره، لكن لما افتكر سعاد وهي راقدة من غير حركة، قبض على أسنانه، واتغيرت ملامحه. — لو مكنتيش جيتي الدنيا… كانت أمك لسه معايا. الممرضة اتصدمت من كلامه. — يا أستاذ محمود، دي طفلة ملهاش ذنب… صرخ فيها: — خديها من قدامي! الطفلة بدأت تعيط بصوت أعلى، ومحمود رجعها للممرضة بسرعة، كأنه مش قادر يتحمل وجودها بين إيديه. — مش عايز أشوفها دلوقتي! خدوها بعيد! خرج من الغرفة وساب وراه زوجته اللي حبها عمره كله، وبنتًا صغيرة ما تعرفش إنها من اللحظة الأولى بقت مرتبطة في قلب أبوها بوجع فقدانه. --- بعد أسبوع، رجع محمود لقصره الكبير، لكن البيت ما بقاش هو البيت اللي يعرفه. كل ركن فيه كان بيفكره بسعاد؛ الكرسي اللي كانت بتحب تقعد عليه، الكوباية اللي كانت بتشرب فيها القهوة، وحتى الستارة اللي اختارت لونها بنفسها. أما ملاك، فكانت في غرفة صغيرة مخصصة لها بعيدًا عن جناحه. كانت الحاجة فاطمة، والدة محمود، قاعدة جنب سرير الرضيعة، بتبصلها بحنان وهي بتحرك المهد ببطء. دخل محمود، ووقف عند الباب. فاطمة رفعت عينيها له. — تعالى شوف بنتك يا محمود. رد من غير ما يقرب: — شوفيها إنتِ يا أمي. أنا مش قادر. فاطمة قامت من مكانها. — مش قادر على إيه؟ على بنتك اللي لسه مكملتش أسبوع؟ دي محتاجاك! محمود بص لها بعيون مرهقة. — كل ما أشوفها، بفتكر سعاد وهي بتموت. — وهي ذنبها إيه يا ابني؟ هي كمان فقدت أمها قبل ما تعرف حتى يعني إيه أم! محمود رفع صوته: — أمي، أرجوكي! متضغطيش عليّ! فاطمة سكتت لحظة، ثم قالت بحزن: — أنا مش بضغط عليك. أنا بحاول أفوقك قبل ما تخسر بنتك وهي لسه عايشة. لكنه خرج من الغرفة من غير ما يرد. ومن اليوم ده، بقت فاطمة هي اللي تتابع احتياجات ملاك، بينما أمينة، الخادمة اللي خدمت العائلة سنين، كانت بتدخل عليها بالطعام والملابس وكل ما تحتاجه. ومحمود كان يتجنب المرور من قدام غرفتها. --- مرت الأيام، ثم الشهور، وملاك بدأت تكبر وسط بيت واسع لكنه خالي من الدفء. وفي عيد ميلادها الأول، أحضرت لها فاطمة كعكة صغيرة، ووضعت أمامها لعبة قماشية على شكل أرنب. صفقت لها أمينة، وضحكت فاطمة وهي تحملها. — كل سنة وإنتِ طيبة يا روح تيتة. ملاك ضحكت من غير ما تفهم معنى المناسبة، ومدت إيدها الصغيرة ناحية الكعكة. لكن محمود كان في مكتبه، رافضًا حضور أي احتفال يخصها. ولما سألته فاطمة إذا كان سيأتي لرؤية ابنته ولو لدقائق، رد: — مش النهارده يا أمي. ما كانش فيه يوم مناسب عند محمود. كل يوم كان بيأجل فيه مواجهة بنته، كان بيبعد عنها خطوة جديدة. --- بعد مرور أربع سنوات، كانت ملاك بقت طفلة صغيرة بشعر أسود ناعم وعينين واسعتين، وملامح فيها شبه واضح من أمها. كانت عايشة في بيت صغير داخل حديقة القصر، بعيد عن غرف العائلة الكبيرة. في صباح يوم هادئ، دخلت أمينة عليها وهي شايلة طبق الفطور. — صباح الخير يا ملاك، يلا يا حبيبتي، الفطار. ملاك كانت قاعدة على السرير، حاضنة صورة سعاد اللي بتحطها جنبها كل ليلة. رفعت عينيها لأمينة وسألت: — هو بابا صحي؟ أمينة اترددت. — أيوه يا حبيبتي، غالبًا صحي. ملاك ابتسمت. — طب هو هييجي يشوفني النهارده؟ أمينة حطت الطبق على الترابيزة، وحاولت تخفي حزنها. — كلي الأول يا ملاك، عشان متتعبيش. ملاك نزلت عينيها، وفهمت من غير ما تسمع الإجابة. بعد الفطار، راحت ناحية صورة أمها، ومسحت عليها بإيدها الصغيرة. — صباح الخير يا ماما. قعدت على الأرض جنب السرير، وحطت الصورة قدامها. — أنا النهارده رسمت وردة في الكراسة. أمينة قالتلي إنها حلوة أوي. كنتِ هتحبيها؟ فضلت تتكلم مع الصورة كأن أمها بتسمعها، ثم سألت السؤال اللي كان بيتكرر في قلبها كل يوم: — هو إنتِ فين يا ماما؟ وليه مش بتيجي تاخديني في حضنك؟ محدش رد. بره البيت الصغير، كانت أصوات ضحك جاية من القصر. نادين، زوجة محمود الثانية، كانت قاعدة في الحديقة مع التوأم ياسين وليلى، اللي كانوا أصغر من ملاك بسنتين تقريبًا. محمود كان شايل ليلى، وياسين بيشد في إيده. — بابا، شيل! ضحك محمود وشاله. — تعالى يا بطل. ملاك سمعت صوته، فقامت بسرعة وجريت ناحية الشباك. شافت أبوها بيضحك مع إخواتها، فابتسمت تلقائيًا. كانت نفسها تخرج وتروح له، لكنها افتكرت إنه كل مرة بيشوفها بيطلب منها ترجع بيتها. ومع ذلك، فتحت الباب وخرجت بخطوات صغيرة. وقفت بعيد عنهم، ثم نادت: — بابا؟ محمود التفت، ولما شافها اختفت ابتسامته تدريجيًا. ملاك قربت خطوة. — صباح الخير يا بابا. رد باقتضاب: — صباح النور. ابتسمت بفرحة صغيرة، لأنها سمعت منه ردًا على الأقل. بصت لليلى اللي كانت في حضنه، وقالت: — ينفع ألعب معاهم شوية؟ نادين عدلت ملابس ليلى، ثم ردت: — هما لسه صغيرين يا ملاك، ومحتاجين يفضلوا معانا. ملاك بصت لأبوها. — أنا هبقى شاطرة، والله مش هعمل حاجة. محمود قال ببرود: — ارجعي بيتك يا ملاك. اختفت ابتسامتها. — طب… أقعد بعيد؟ — قلت ارجعي. ملاك رجعت خطوة لورا، ثم بصت له مرة أخيرة. كانت عايزة تسأله ليه، لكن الكلمات وقفت في حلقها. رجعت بيتها ببطء، وفضلت تحاول تمنع دموعها لحد ما وصلت سريرها. أخدت صورة أمها وحضنتها بقوة. — ماما… هو أنا عملت حاجة وحشة؟ صوتها الصغير اتكسر. — أنا والله مش بعمل حاجة. أنا بس عايزة بابا يحبني. في الخارج، استمر ضحك التوأم، بينما داخل البيت الصغير، كانت ملاك تتعلم أول درس قاسٍ في حياتها: أن الإنسان قد يعيش بين عائلته، ومع ذلك يشعر أنه وحيد تمامًا. لم تكن تعرف أن السنوات القادمة ستحمل لها مواقف أصعب، وأنها ستكبر وهي تحاول فهم سبب قسوة أبيها، حتى يأتي اليوم الذي تدرك فيه أن الذنب لم يكن ذنبها أبدًا.

End of Chapter 1

Chapter 1: الفصل الأول: الطفلة التي جاءت وحدها - لم أكن قاتله امي | Novel AI Studio