Chapter 1 of 8
Chapter 1: ليلة على متن السفينة
463 words
كانت هند تضج بالحياة، تراقص كتفاها على إيقاع الموسيقى الصاخبة المنبعثة من قلب الباخرة الفاخرة، 'الإمبراطورة الزرقاء'. ثوبها الفيروزي ينساب حول قوامها الممشوق، يبرز غمازتيها كلما ابتسمت، وهما تظهران كثيراً هذه الليلة. يدها قبضت على معصم نفيسة، صديقتها المقربة، تجرها نحو حافة سطح السفينة حيث تتراقص الأضواء الخافتة على صفحة المحيط الهادئة. كانت نفيسة تضحك، ضحكة خجولة تخفي حساسيتها المعهودة، بينما تحاول مجاراة طاقة هند التي لا تنضب.
"هند، تمهلي قليلاً!" قالت نفيسة، محاولة استعادة أنفاسها. "هذه ليست حلبة سباق سيارات، إنها حفلة خيرية." كانت تعلم أن هند تحب السيارات الفارهة والدراجات النارية السوداء الضخمة، لكن جنونها كان يتجلى في كل شيء تفعله، حتى في مشيتها الواثقة والجريئة التي لا تتردد أبداً.
"لكنها حفلة على متن باخرة!" ردت هند، تومض عيناها ببريق المغامرة. "ألا تشعرين بالحرية هنا، نفيسة؟ الرياح تداعب شعرك، والنجوم تلمع كأنها قطع الماس. هذه الحياة التي أحبها، يا صديقتي!" استنشقت الهواء المالح بعمق، كأنها تمتص كل ذرة من السعادة في الجو. لم تكن تبكي قط، بل كانت تبحث دائماً عن الضحك والنشاط، مجنونة بجمالها وغمازتيها اللتين أضافتا سحراً خاصاً لوجهها الفاتن.
كانت الموسيقى تحيط بهما، تتخللها أصوات الهمسات والضحكات المتفرقة من الحضور الأنيق. كانت الباخرة تبدو كمدينة عائمة من الفخامة، كل زاوية فيها تصرخ بالثراء والترف. جمعت هذه الحفلة نخبة المجتمع، ورجال الأعمال، والفنانين، كلهم متجمعون لغاية نبيلة، أو هكذا بدوا.
"حسناً، لنجد لنا مكاناً للجلوس، قدمي تؤلمني." قالت نفيسة، وهي تفرك كعبها. "وربما نجد بعض المشروبات الغازية، فأنتِ تعرفين أنني لا أحب الكحول." كانت نفيسة دائماً صوت العقل، محاولة لتهدئة عاصفة هند التي لم تتوقف أبداً.
هزت هند رأسها موافقة، لكن عينيها كانتا تتجولان في الأفق، تبحثان عن شيء جديد، مغامرة غير متوقعة. "كما تريدين، يا حمامتي." ضحكت، وهي تتبع نفيسة نحو طاولة خشبية أنيقة بالقرب من الدرابزين الزجاجي. لم تكن تعلم أن الليلة كانت تخبئ لها أكثر بكثير من مجرد الرقص والثرثرة، بل كانت تخبئ لها خطأً لم يكن في الحسبان، خطأً سيقلب حياتها رأساً على عقب.
---
لمحت هند الهالة الباردة قبل أن ترى الرجل نفسه. كانت هالة لا تخطئها العين، كأن موجة من البرد اجتاحت الصالة الدافئة، فأسكتت بعض الهمسات وأجبرت الضحكات على التراجع. كان الناس يتفرقون، يفسحون الطريق، لا احتراماً بقدر ما هو خوف. أدركت هند أن هذا الرجل ليس مجرد ضيف عادي، بل هو شخص يفرض حضوره، لا بل يفرض سيطرته على كل من حوله.
ظهر من خلف حشد متراجع، كأنه ينسج الصمت حوله. كان مالك. اسمه ارتدى في أرجاء الصالة قبل أن يصل هو. كان طويلاً، ذا بنية قوية، وعينين حادتين كالصقور تفتشان المكان بتقييم بارد. سترته الأنيقة كانت بلا أي تجعد، وكأنه خرج للتو من علبة زجاجية. كانت نظراته تخلو من أي دفء، خالية تماماً من العواطف، كقلب جليدي يعكس بريق الأضواء الزرقاء من الخارج.
مر بجوارهما، ولم يمنح نفيسة وهند أكثر من نظرة عابرة، لكنها كانت كافية لتشعر هند بوخز غريب. لم يكن الوخز خوفاً، بل كان مزيجاً من التحدي والفضول.