Chapter 37 of 37

Chapter 37: ظلال باريس

1.1k words

مارسيل كان واقف في مكتبه والضلمة مغطية المكان بالكامل، مفيش غير النور الضعيف اللي جاي من قمر برة الشباك الكبير. السيجارة الكوباوي كانت بين صوابعه، دخانها بيطلع ببطء ويلف في الهوا زي تعبان بيموت. عينيه كانت مركزة على الجنينة الواسعة بتاعة القصر، بس عقله كان في مكان تاني خالص. الرصاصة الفضة اللي لقاها الصبح كانت لسه على مكتبه، بتلمع تحت نور القمر الخافت كأنها بتتحداه.\n\nمسك تليفونه المشفر وضغط على الرقم اللي كان مأجل يكلمه. الرقم ده مبيضربش غير في الكوارث. رن تلات مرات قبل ما يجي الصوت الرخيم والتعبان من الناحية التانية.\n\n"كنت عارف إنك هتكلمني يا مارسيل." صوت فيكتور مورتي كان هادي زيادة عن اللزوم، هدوء مستفز.\n\nمارسيل ملوش في اللف والدوران. أخد نفس طويل من سيجارته وقال بصوت واطي ومرعب: "الرصاصة الفضة وصلتني يا فيكتور. وأنت عارف كويس مين الوحيد اللي لسه بيستخدم الأسلوب القديم ده."\n\nفيكتور سكت لحظة، وصوت نفس عميق ظهر في التليفون. "أنا حذرتك يا صاحبي. أنت افتكرت إنك لما تقفل ملفات المافيا وتفتح شركة شحن شرعية، الناس هتنسى أنت مين؟ الماضي ملوش باب خروج سهل يا مارسيل. الرصاصة دي مش تهديد عادي، دي علامة."\n\n"علامة من مين؟" مارسيل ضغط على سنانه لدرجة إن فكه وجعه. "أندري؟ ولا إميليو لسه عايش في الأوهام؟"\n\n"أندري مش شغال لوحده يا مارسيل. وفي باريس... باريس اللي أنت ناوي تودي البنت فيها، العيون هناك أكتر ملي تتخيل. نصيحة مني، بلاش السفرية دي دلوقتي."\n\nمارسيل اتكلم بنبرة خلت فيكتور نفسه يسكت: "آية هتروح باريس، وهتدرس هناك، وأنا هكون معاها. واللي هيقرب من طريقها، هكون أنا آخر حاجة يشوفها في حياته قبل ما أبعته للجحيم. قولي مين اللي ورا الرصاصة يا فيكتور، متخلنيش أدور بطريقتي."\n\n"الاسم اللي عندي هيصدمك... بس بلاش تستعجل. رتب ورقك الأول." فيكتور قفل السكة.\n\nمارسيل رمى التليفون على المكتب بعنف. السيجارة اتطفت في الطفاية الكريستال وهو بيبص للرصاصة الفضة. الغضب كان بيغلي في عروقه، بس كان لازم يسيطر على نفسه. في حد بيحاول يلعب معاه، واللعب مع مارسيل تمنه الموت.\n\n---\n\nفي الأوضة الكبيرة، آية كانت واقفة قدام الدولاب المفتوح. كانت بتلم هدومها البسيطة اللي هتاخدها معاها باريس. الفرحة كانت باينة في عينيها بس كان معاها خوف خفي. حلم الجامعة اللي كان ضاع منها بسبب أبوها اللي باعها، دلوقتي بيرجع تاني بفضل الراجل اللي خطفها ودمر حياتها في الأول، بس رجع وبقى هو حمايتها الوحيدة.\n\nبصت في المراية الكبيرة. قميص النوم الحرير اللي كانت لابساه كان لونه كحلي غامق، متبت على تفاصيل جسمها. رفعت شعرها ببطء وبصت على رقبتها. لسه في علامات خفيفة، علامات ملكية مارسيل اللي سابها على جلدها الليلة اللي فاتت. لمست العلامات بصوابعها وحست برعشة خفيفة في جسمها. الراجل ده بيمتلكها بكل الطرق، بقسوته وحنيته الغريبة اللي بتظهر في أوقات ميكنش حد يتوقعها.\n\nالباب اتفتح ببطء. مارسيل دخل. خطوته التقيلة كانت معروفة بالنسبة لها. من غير ما تبص، عرفت إنه هو من ريحة سجاره الفاخر والبرفان القوي بتاعه اللي بيملى المكان دايماً.\nميّلت راسها وبصتله في المراية. ملامحه كانت متوترة، عيونه الحادة كانت ضيقة وفيها ضلمة خوفتها.\n\n"مارسيل؟" لفت ليه وبصت في عينيه مباشرة. "أنت كويس؟"\n\nمارسيل مشي ناحيتها ببطء، وعينيه منزلتش من عليها. وقف وراها وحط إيديه الضخمة على وسطها، وسحبها لغاية ما ضهرها لمس صدره العريض. وطى راسه ودفن وشه في رقبتها، بيشم ريحتها اللي بتهديه دايماً.\n\n"أنا كويس طول ما أنتِ في حضني يا آية،" قالها بصوت دافي بس كان فيه نبرة مخنوقة.\n\n"حاسة إنك شايل هم كبير،" آية حطت إيديها الصغيرة فوق إيديه اللي ماسكة وسطها. "من ساعة ما رجعت الصبح وأنت مش طبيعي. الرصاصة دي... فيها إيه يا مارسيل؟ متمشيش وتسيبني في الحيرة دي."\n\nمارسيل لفها ليه وخلاها تواجهه. رفع دقنها بصابعه وبص في عينيها العسلي الواسعة. "مفيش حاجة في الدنيا دي تقدر تبعدني عنك. باريس هتبقى حقيقتنا الجديدة يا آية. هتدرسي هناك، وهعيشك الملكة اللي تستاهليها. الماضي بتاعي أنا هقبره بإيديا دي."\n\n"أنا خايفة..." همست وهي بتدفن راسها في صدره. "خايفة الماضي ده ياخدك مني. أنا ملقتش نفسي غير معاك."\n\nمارسيل ضمها بقوة كأنه بيحاول يدخلها جوا ضلوعه. "محدش يقدر ياخدني منك، ومحدش يقدر يلمس شعرة منك طول ما أنا عايش. اجهزي، سفرنا قرب."\n\n---\n\nالساعة كانت داخلة على اتنين بعد نص الليل. الهدوء في القصر كان غريب ومريب. آية كانت نايمة في السرير، بس نومها كان قلقان. كل شوية تتقلب وتفتح عينيها تبص على مكان مارسيل الفاضي جمبها. هو نزل تاني للمكتب وم رجعش.\n\nفجأة، سمعت صوت حركة غريبة تحت. صوت كلاب الحراسة في الجنينة وهي بتهوهو بعنف، وبعدين سكتت فجأة. السكوت المفاجئ ده كان مرعب أكتر من الهوهوة نفسها.\n\nقلبها بدأ يدق بسرعة. قامت من السرير بسرعة، لمت الروب الحرير حوالين جسمها وربطته بتوتر. خرجت من الأوضة بخطوات مرعوبة وبدأت تنزل السلم الرخام الكبير اللي بيودي للصالون الرئيسي.\n\nالنور كان مطفي تحت، بس كان في ضوء كشافات الحراسة برة بيتحرك على الحيطان. شافت مارسيل واقف عند الباب الرئيسي للقصر. كان معاه ماركو، رئيس الحرس بتاعه. ماركو كان وشه أصفر وبيتكلم بهمس سريع وهو ماسك علبة خشبية سوداء صغيرة.\n\nآية وقفت في ضلمة السلم، كاتمة نفسها وهي بتراقبهم.\n\n"مين اللي ساب العلبة دي عند البوابة يا ماركو؟" صوت مارسيل كان زي فحيح التعبان، مليان غضب مكتوم.\n\n"مشفناش حد يا فندم على الكاميرات. الكاميرات الخارجية اتقطعت عنها الكهربا لمدة دقيقة واحدة بس، والعلبة دي كانت محطوطة على عتبة البوابة الكبيرة لما النور رجع،" ماركو كان بيرتعش وهو بيتكلم.\n\nمارسيل مد إيده وأخد العلبة الخشبية. فتحها ببطء بصباعه الكبير. آية حاولت تبص من مكانها بس الضلمة كانت عائق.\n\nمارسيل طلع من العلبة حاجة خلت جسمه كله يتصلب. ملامحه اتغيرت تماماً والشرر بدأ يتطاير من عينيه. طلع صورة قديمة... وصورة تانية جديدة.\n\nآية مقدرتش تستحمل الفضول والخوف اللي بياكل في قلبها. نزلت السلم بسرعة وصوت خطواتها رن في المكان. "مارسيل! في إيه؟"\n\nمارسيل لف بسرعة وحاول يخبي الحاجة ورا ضهره، بس آية كانت خلاص وصلت عنده. وشها كان شاحب وعينيها مليانة دموع من التوتر. "وريني يا مارسيل. أرجوك م تخبيش عليا تاني. أنا شفت العلبة."\n\nمارسيل بص لماركو وأشارله يمشي. ماركو انسحب بسرعة وقفل الباب وراه، وسابهم لوحدهم في الصالون الواسع الخافت.\n\n"آية، اطلعي أوضتك فوراً،" مارسيل قالها بنبرة حاسمة ومفيهاش نقاش.\n\n"مش هطلع!" صرخت بصوت مخنوق. "أنا من حقي أعرف مين اللي بيهددنا. أنا تعبت من الخوف المستمر ده!"\n\nمارسيل بصلها بنظرة غريبة، نظرة فيها مزيج من الغضب والضعف اللي أول مرة تشوفه في عينيه. اتنهد تنهيدة طويلة، وببطء رفع إيده اللي كان مخبيها ورا ضهره وقرب منها.\n\nكان ماسك صورة شخصية لآية... بس الصورة دي مكنتش قديمة. دي صورة اتصورتلها الليلة اللي فاتت وهي واقفة في الجنينة بتاعة القصر، ومتعلم على وشها بعلامة إكس حمراء بلون الدم.\n\nوتحت الصورة في العلبة، كان في ورقة صغيرة مكتوبة بخط إيد معروف جداً لآية... خط إيد أبوها اللي باعها.\n\nآية مسكت الورقة بإيد بتترعش وقرت الكلام المكتوب بالعربي وبخط مهزوز ومجنون: \"الصفقة متمتش يا مارسيل. باريس هتبقى المكان اللي هتدفن فيه بنتي بإيديا لو م رجعتليش الفلوس اللي باقية.\"\n\nآية بصت لمارسيل بذهول ورعب حقيقي، ودموعها نزلت على خدها. "بابا... بابا لسه عايش؟ وهو اللي باعت ده؟"\n\nمارسيل مسك كتفها بقوة وعينيه اسودت بالكامل وقال بصوت هز الحوائط: "أبوكِ مش لوحده يا آية... اللي باعت الصورة دي معاه مفتاح بيتنا الجديد في باريس."

End of Chapter 37