Chapter 2 of 2
Chapter 2: هروب وشحوب
1.2k words
ارتجفت القاعة. دوى صوت أليساندرو مونتيرو القاسي، يمزق الصمت الذي خنق الجميع. كانت أوامره حادة، لا تقبل النقاش. أشار بيده نحو الحراس المتمركزين عند الأبواب، تتجمد النظرات الحادة في عيونه الغاضبة.
تفرق الحراس فورًا، يتجهون نحو الأجنحة العلوية. تسارعت أنفاس لارا وإيلينا في حجرتيهما المتجاورتين. انقبضت معدتاهما بشدة، تدقان كالطبول المجهدة. كان الوقت قد حان. هذه هي اللحظة التي خططتا لها طويلًا، كل تفصيل محفور في ذاكرتيهما.
لم يتوانيا. تحركت لارا أولًا، أزاحت لوحة ضخمة عن الحائط لتكشف عن ممر سري ضيق. كان الهواء راكدًا، يحمل رائحة الغبار والزمن المنسي. تبعتها إيلينا بعد ثوانٍ، تغلقت اللوحة خلفهما بصوت خافت لم يلاحظه أحد.
تسللتا عبر الظلام، خطواتهما خفيفة كالأشباح. كانت جدران الممر باردة ورطبة. سمعتا أصوات الحراس تقترب من أبواب غرفهما، صرخات الغضب ترتد في الممرات. عرفتا أنهما كشفتا. لم يعد هناك رجوع.
وصلتا إلى نهاية الممر. كشفتا عن مخرج صغير يؤدي إلى فناء خلفي مهجور. قفزتا إلى الخارج، تحت جنح الليل الذي كان رفيقهما الوحيد. تنفستا الصعداء، هواء الليل البارد يملأ رئتيهما المحتقنتين بالخوف. ركضتا بلا توقف، تسرعان الخطى نحو المجهول.
---
اجتاحت الفوضى قصر مونتيرو. تصاعدت الصرخات، وتداخلت الأصوات. أليساندرو، الذي كان يقف في قلب الصالة، اكتشف الهروب. احمر وجهه، وبرزت عروق جبينه بشكل مخيف. كانت عيناه تشتعلان بغضب هائل، كحمم بركانية على وشك الانفجار.
تجمع أفراد العائلة، يحدقون في الجد الذي لم يروا غضبه بهذا القدر من قبل. كان الجو مشحونًا، ينتظرون عاصفة الانتقام. شعر الجميع بالرعب، متوقعين قرارات قاسية وعقابًا لا يرحم.
اندفع فيكتور، الابن الأكبر، نحو الجد. "كيف حدث هذا؟" صرخ بصوت عالٍ. "كيف تمكنتا من الهرب من قصر محصن كهذا؟ هذا عار علينا!".
تبعته أليكسيا، ابنة أخيه، التي كانت عادة ما تكون هادئة. "يجب أن نلحق بهما الآن!" هتفت، يدها ترتجف وهي تشير نحو الباب. "قبل أن تصلا إلى فالكوني" كانت كلماتها تحمل نبرة ذعر.
انتشر الخوف بين الحاضرين. كانت فكرة التحالف مع آل فالكوني بمثابة خيانة لا تغتفر. تزايدت الهمهمات، وبدأ القلق يتغلغل في كل نفس. لم يتوقع أحد هذا التمرد العلني بهذه الجرأة.
وسط هذا الاضطراب، تقدمت إيمي بخطوات هادئة. كان شعرها الأسود الداكن ينسدل على كتفيها، وعيناها الزرقاوان تحملان نظرة تفحص وتقييم. لم ترفع صوتها، بل تحدثت بوضوح وثبات، نبرتها تخالف صخب المكان.
"يا جدي،" قالت إيمي، صوتها الرقيق يقطع غضب أليساندرو. "الغضب لن يعيد الفتاتين. يجب أن نفكر بعقلانية الآن. ما حدث قد حدث. الأهم هو ما سنفعله تاليًا".
توقف أليساندرو عن الصراخ. أدار رأسه ببطء نحوها. كانت المفاجأة بادية على وجهه. لم يكن يتوقع منها هذه الجرأة، ولا هذا المنطق الهادئ في خضم هذه الفوضى. نظر إليها بتفحص، عيناه الغاضبتان تثبتان عليها.
لم تتراجع إيمي. وقفت شامخة، على الرغم من القوة الغاشمة التي يمثلها جدها. "مطاردتهما الآن بعنف قد يدفعهما أكثر نحو فالكوني"، تابعت. "علينا أن نفهم لماذا هربتا. وماذا كانتا تخططان له. ثم نتحرك استراتيجيًا، لا باندفاع".
تجرأ بعض أفراد العائلة على تبادل النظرات. كانت إيمي، الفتاة اللطيفة البريئة التي لم تكن تُرى إلا كزهرة في هذا القصر المليء بالدماء والسياسة، تتحدث كواحدة من قادة العشيرة. كانت كلماتها تحمل وزنًا، ومنطقها لا يمكن إنكاره.
خفّت حدة غضب أليساندرو قليلًا. لم يختفِ بالكامل، لكنه انحسر قليلًا ليحل محله التفكير. كانت إيمي قد ألقت حجرًا في مياه الغضب الراكدة، غيرت مجرى النقاش. كانت العائلة كلها تراقب، تشهد هذه اللحظة غير المتوقعة.
ابتعد فيكتور عن الجد، متراجعًا خطوتين. كان الشك يساوره، هل إيمي تتلاعب؟ أم أنها أظهرت جانبًا جديدًا لم يعرفه أحد؟ كانت ملامحه تحمل تعبيرًا معقدًا بين الدهشة والريبة.
"وماذا تقترحين؟" سأل أليساندرو، صوته لا يزال غاضبًا، لكنه الآن يحمل نبرة استجواب بدلًا من الأمر المطلق. كان هذا بحد ذاته انتصارًا لإيمي.
أجابت إيمي بهدوء. "علينا أن نستخدم مصادرنا السرية. لارا وإيلينا ليستا لديهما خبرة كبيرة في الهروب أو الاختباء. ستتركا آثارًا. يجب أن نرسل أفضل رجالنا، ولكن بتكتم. لا نريد أن نثير انتباه فالكوني أكثر مما هو عليه الآن".
وافق أليساندرو ببطء. لم يكن هذا موافقة كاملة، بل هو اعتراف ضمني بصحة كلامها. أومأ لرئيس الحراس. "اتبعوا تعليماتها"، قال، عيناه لا تزالان مثبتتين على إيمي. "ولكن إذا وجدتموهما، أريد أن أعرف فورًا. لا تتخذوا أي إجراءات قبل موافقتي".
تنفس الجميع الصعداء. كانت إيمي قد نجحت في تهدئة العاصفة، ولو مؤقتًا. لقد أظهرت جانبًا من شخصيتها لم يتخيله أحد. أدهشتهم بذكائها وحنكتها، في عالم لم تكن تعتبر جزءًا منه في السابق. كانت نظرات الاحترام والتقدير تختلط مع نظرات الصدمة والريبة.
ابتعدت إيمي عن المركز، تحاول استيعاب ما فعلته. لم تكن تخطط لهذا. جاءت الكلمات منها بشكل عفوي، مدفوعة برغبتها في رؤية الهدوء يعود، حتى لو لدقائق. لكن الضغط كان هائلًا. كان جسدها كله يرتعش بشكل خفي.
---
مرت الدقائق ثقيلة. أصدر أليساندرو المزيد من الأوامر، لكن هذه المرة بنبرة أقل حدة وأكثر تركيزًا. كان الجميع في حالة تأهب. انتشر الحراس مجددًا، لكن هذه المرة بتكتيك مختلف، مسترشدين بنصيحة إيمي.
شعرت إيمي بدوار مفاجئ. اهتزت الأرض تحت قدميها. أغمضت عينيها بشدة، محاولة استعادة توازنها. كان الصداع يدق في رأسها بإيقاع عنيف، كالمطارق التي تضرب بلا هوادة. بدأ جسدها يتصبب عرقًا باردًا، على الرغم من برودة القاعة.
ضغطت إيمي على صدغها، تتنفس بصعوبة. كانت الأضواء تبدو ساطعة جدًا، والأصوات عالية جدًا. كل شيء كان يضغط عليها بقوة لا تحتمل. بدأت ترتعش بشكل لا إرادي. لم تكن هذه مجرد توتر عادي. كان هناك شيء آخر يغزوها، شيء مظلم ومألوف.
اختلت إيمي خطوة، كادت تسقط. رآها فيكتور، الذي كان لا يزال يراقبها بنظرة تحمل مزيجًا من الحذر والإعجاب. "إيمي، هل أنت بخير؟" سأل، ملامح وجهه تغيرت إلى القلق.
لم تستطع إيمي الإجابة. تلاشت الكلمات من فمها. شعرت أن جسدها يخونها. انحنت ركبتاها فجأة، وبدأت تفقد السيطرة على أطرافها. كانت عيناها تتجمدان، تتسعان في فزع صامت، قبل أن تنقلبا إلى الخلف.
سقطت إيمي على الأرض بقوة. دوى صوت ارتطام جسدها بالأرض الصماء في القاعة، قاطعًا كل الأصوات الأخرى. تجمدت الأنفاس. اندفع فيكتور نحوها، ثم تبعه أليساندرو وباقي أفراد العائلة، وجوههم شاحبة.
بدأ جسدها ينتفض بعنف. ارتفعت ذراعها ثم سقطت، وارتعشت ساقاها بشكل لا يمكن السيطرة عليه. خرجت من فمها رغوة خفيفة. كانت عيناها مفتوحتين، لكنهما لا تركزان على شيء، بل ترتعدان بشكل غير طبيعي. كانت نوبة صرع قوية قد اجتاحتها، تحولها من الفتاة الهادئة الواثقة إلى جسد ضعيف يتشنج على الأرض أمام أعين الجميع، تاركة وراءها صدمة مريرة ألقت بظلالها على كل ما حدث، لتكشف ضعفًا لم يجرؤ أحد على تصوره في هذا العالم القاسي.
رآها صقر، الذي كان يختبئ في أحد الممرات السرية، يراقب الموقف بصمت. تجمد الدم في عروقه. كانت عيناه مثبتتين عليها، تتسعان في رعب خالص. لم يستطع التحرك، لم يستطع الكلام. كان كل ما يراه هو إيمي، الفتاة التي أحبها بجنون، تتألم أمام عينيه. شعر بالخوف يتغلغل في كل خلية من خلاياه، خوفًا لم يختبره من قبل. ماذا سيحدث لها؟ هل سيتمكن من حمايتها؟ كانت هذه اللحظة كافية لتبدأ حربًا جديدة، حربًا كان هو على استعداد لخوضها بمفرده.
ارتفعت صيحات العائلة. "طبيب! أحضروا طبيبًا فورًا!" صرخ أليساندرو، صوته يحمل لأول مرة نبرة ضعف وهلع حقيقي. كانت هذه الفتاة قد استطاعت أن تهز حصنه الذي لا يتزعزع، وأن تكشف عن جانب إنساني فيه لم يكن أحد يتخيله. لكن هل ستنجو من هذه المحنة؟
تجمعت العائلة حول إيمي، وجوههم ممتقعة. كانت النوبة تتفاقم، وكل ثانية تمر كانت تحمل معها خطرًا أكبر. كان الهواء مشبعًا بالهلع. الجميع يحدقون في جسدها المنتفض، عاجزين عن فعل أي شيء سوى الانتظار، بينما الحياة كانت تتسرب منها ببطء، في مشهد قاسٍ ومروع كشف عن حقيقة مؤلمة لم يكن أحد مستعدًا لها.
ارتعش جسدها للمرة الأخيرة، قبل أن يستسلم للثبات، لكنه كان ثباتًا مخيفًا، ثبات الموت أو ما هو أسوأ. لم تعد تتنفس بانتظام. كان وجهها شاحبًا، وشفتاها زرقاوان. هل هذا هو الثمن الذي دفعته لإظهار قوتها؟ هل هذا هو نهاية الفتاة التي أذهلتهم بلحظة من الشجاعة؟ كان صمت القاعة أشد وقعًا من أي صراخ. ماذا سيحدث لها الآن؟
هل ستنجو إيمي؟