Chapter 1 of 1

الفصل الأول: صغيرتي وسط عاصفة من الذئاب

1.3k words

تتعالى أصوات الموسيقى الصاخبة لتهز أركان ذلك الملهى الليلي الفاخر، حيث تتداخل الأضواء الملونة مع سحب الدخان الكثيفة لتصنع أجواءً غريبة تفصل مرتادي المكان عن العالم الخارجي تماماً. وسط هذا الزحام والضجيج، كانت تجلس فتاة تبدو وكأنها هبطت من عالم آخر طاهر لا يعرف الدنس، بعيدة كل البعد عن هذه الأجواء المشبوهة التي تحيط بها من كل جانب. تلتف خصلات شعرها الأبيض الحريري النادر حول وجهها الملائكي الصغير، عاكسة الأضواء النيونية الزرقاء والحمراء ببريق ساحر يثير فضول كل من ينظر إليها في هذا الركن المظلم. تتميز ميلا بجمال لم يره أحد من قبل، فبشرتها البيضاء الناصعة كالثلج وعيناها الواسعتان اللتان تحملان زرقة السماء الصافية تجعلانها تبدو كلوحة فنية مرسومة بعناية فائقة وسط جدار متسخ. تجلس الفتاة ذات التسعة عشر عاماً منكمشة على نفسها، تضغط بأصابعها المرتجفة على أطراف فستانها القطني الأبيض البسيط الذي يبرز براءتها ونقاءها الذي لا يناسب هذا المكان. كانت صديقاتها في الجامعة قد ألححن عليها طوال الأسبوع الماضي للاحتفال بنجاحهن في الامتحانات النهائية، ولم تجد مفراً من القبول تحت وطأة الضغط والإلحاح الشديدين. تتأمل الكؤوس الممتلئة بالسوائل الملونة والغامضة أمامها باشتياق للهروب واشمئزاز واضح، تشعر بغربة قاتلة وبأنفاس تضيق تدريجياً مع كل دقيقة تمر في هذا المكان المشبوه والمليء بالصخب. تمنت في أعماق قلبها لو أنها رفضت الدعوة وبقيت في غرفتها الصغيرة الدافئة، تقرأ رواياتها الرومانسية المفضلة بعيداً عن هذه الوجوه الجائعة والنظرات المريبة التي تلاحقها منذ خطت قدمها عتبة المكان. --- تسترجع ذاكرتها فجأة مشهداً قديماً يعود إلى تسع سنوات مضت، وتحديداً عندما كانت طفلة صغيرة في العاشرة من عمرها، تائهة وخائفة في أحد شوارع المدينة المظلمة والموحشة بعد أن ضلت طريق العودة. تلتقي عيناها في ذلك الوقت بعيني فتى غامض في السابعة عشرة من عمره، شاب لم يكن كبقية البشر بملامحه الحادة والرجولية المبكرة وشعره الأسود الفاحم وعينيه الحمراوين اللامعتين كالجمر المشتعل في عتمة الليل. أحس ذلك الفتى في تلك اللحظة برغبة تملكية جارفة تجتاحه تجاه تلك الطفلة الصغيرة ذات الملامح الملائكية والشعر الأبيض النادر، وكأن قدراً خفياً ربطه بها برباط أبدي لا يمكن فكه أو مقاومته. غرس نظرته العميقة والمخيفة في روحها منذ ذلك اليوم، تاركاً في أعماقها أثراً لا يمحى، وظل يراقبها من بعيد طوال تلك السنوات، يراقب نموها وبراءتها التي تزداد جمالاً وجاذبية يوماً بعد يوم دون أن تشعر بوجوده الدائم حولها كظلها الحامي. يكبر ذلك الفتى المتمرد ليصبح "أصفر"، الرجل الأخطر والأغنى في البلاد بأسرها، مهاب الجانب الذي ترتعد فرائص أقوى رجال الأعمال والسياسيين عند ذكر اسمه فقط في المجالس المغلقة. أصبح الآن في السادسة والعشرين من عمره، يمتلك نفوذاً واسعاً يمتد إلى ما وراء الحدود، وشخصية باردة وغامضة لا تعرف الرحمة أو الشفقة مع الأعداء، لكن قلبه ظل ينبض فقط لتلك الطفلة التي كبرت لتصبح شابة فاتنة. --- تتحرك الأجساد حولها بجنون على أنغام الموسيقى الصاخبة، ليعيدها هذا الضجيج المزعج إلى واقعها الحالي المرير وهي تجلس في ذلك الركن المظلم من الملهى الليلي الفاخر. تلاحظ ميلا اقتراب شخص غريب من طاولتهن، رجل مسن يرتدي بدلة باهظة الثمن تفوح منها رائحة السيجار الفاخر وعطور باهظة الثمن ممتزجة برائحة الكحول القوية والمقززة. يبتسم الرجل بوقاحة تامة، وتظهر على وجهه التجاعيد التي حفرها الفساد والجشع الطويل، بينما تلتهم عيناه جسد ميلا الرقيق بنظرات خالية من أي احترام أو حياء إنساني. يقف أمام طاولتهن مباشرة، مستنداً بيديه على الطاولة ليوجه حديثه مباشرة إليها، متجاهلاً تماماً وجود صديقاتها اللواتي تراجعن فوراً بخوف واضح وملحوظ. "يا لكِ من زهرة برية نادرة تنمو في وسط هذا الوحل، ما رأيكِ أن ترافقي رجلاً يعرف كيف يقدر هذا الجمال الفريد ويغرقكِ بالذهب والحرير؟" قال العجوز بصوت أجش ومقزز، ماداً يده المرتجفة ليلمس خصلات شعرها الأبيض الناعم كالحرير. تراجعت ميلا بذعر شديد، والصدمة تلجم لسانها وتمنعها من الصراخ، بينما تجمعت الدموع في عينيها السماويتين الواسعتين اللتين تعبران عن براءة طفولية لم تلوثها قذارة هذا العالم بعد. نظرت إلى صديقاتها تستنجد بهن بأعين باكية متوسلة، لكنها لم تجد سوى وجوه شاحبة مرعوبة تتراجع إلى الخلف ببطء، متخليين عنها تماماً خوفاً من بطش هذا الرجل ونفوذه وسلطته الواسعة. تدرك الصديقات تماماً هوية هذا العجوز المتحرش، فهو أحد كبار رجال الأعمال الفاسدين الذين يملكون سلطة مالية وسياسية قادرة على تدمير عائلاتهن بلمحة عين واحدة، لذا فضّلن الصمت والهروب الذليل على إنقاذ صديقتهن المسكينة. بقيت ميلا وحيدة تواجه هذا المصير المظلم، ترتجف كعصفور صغير بلله المطر في ليلة عاصفة باردة، بينما يستمر الرجل في الاقتراب منها بجرأة أكبر مستغلاً ضعفها وقلة حيلتها. يمسك العجوز بمعصمها الصغير بقوة وجشع، محاولاً سحبها من الأريكة الجلدية قسراً، بينما تتعالى ضحكاته المقززة وسط محاولاتها اليائسة والصامتة للإفلات من قبضته الغليظة التي تؤلم بشرتها الرقيقة. تصرخ بصوت خافت مخنوق بالبكاء، تتوسل إليه بكلمات متقطعة أن يتركها وشأنها ويرحل، لكن أحداً في هذا المكان الصاخب لم يهتم لحالها، والجميع يفضل غض البصر لحماية مصالحهم الشخصية وتجنب المشاكل. تشتد قبضة الرجل عليها، ويقترب بوجهه المقزز منها ليفوح منه خليط من الروائح الكريهة التي جعلت معدتها تتقلب غثياناً، وتمنت في تلك اللحظة لو أن الأرض تنشق وتبتلعها لتخلصها من هذا الموقف المرعب الذي يفوق قدرتها على التحمل. تنهار دموعها الساخنة على وجنتيها البيضاوين، معلنة استسلامها التام وخوفها الشديد من القادم المجهول والمظلم الذي ينتظرها بين يدي هذا الوحش البشري. --- ينفتح الباب الرئيسي للملهى فجأة بعنف وقوة، ليدخل منه تيار من الهواء البارد والجاف الذي بدا وكأنه يجمد الدماء في عروق الحاضرين جميعاً وينهي حرارة المكان الصاخب. يخيم صمت مطبق ومفاجئ على أرجاء الملهى بأكمله، وتتوقف الموسيقى الصاخبة بأمر غير مكتوب من أصحاب المكان، وتتحول الأضواء الراقصة إلى إضاءة خافتة وثابتة تسلط الضوء على الداخل الجديد هيبة واحتراماً. يمشي بخطوات واثقة وهادئة تحمل في طياتها موتاً محققاً لكل من يجرأ على الوقوف في طريقه أو حتى النظر إليه بطريقة خاطئة، يحيط به جيش من الحراس الشخصيين ذوي الأجساد الضخمة والملابس السوداء الموحدة. يبرز بطوله الفارع وجسده الرياضي المتناسق، مرتدياً بدلة سوداء فاخرة مصممة خصيصاً له تعكس سواد شعره المتمرد وعينيه الحمراوين اللتين تشتعلان بغضب حارق لم يسبق له ميل في عالم المال والأعمال. يجول ببصره الحاد والبارد كشفرة الحلاق في أرجاء الملهى، ليتوقف نظره فوراً على الزاوية المظلمة حيث تقف مدللته الصغيرة محاصرة بين يدي ذلك العجوز القذر الذي يتجرأ على لمس معصمها الرقيق وبشرتها الناعمة. يشتعل الغضب في عروقه كالبركان الثائر الذي ينتظر الانفجار لتدمير كل ما حوله، وتتصلب تقاطيع وجهه الحادة وعضلات فكه القوي بشكل مرعب ومخيف للناظرين. يعصر قبضتيه بقوة هائلة حتى ابيضت مفاصل أصابعه، مطلقاً هالة مرعبة من الغضب والوعيد والسيطرة المطلقة جعلت الحاضرين يتراجعون خطوات إضافية للخلف خوفاً على حياتهم من بطشه المحتمل. يشعر الجميع بالخوف يتملك قلوبهم، ويتراجع الحاضرون ورجال الأمن في الملهى إلى الجانبين برعب حقيقي، فهم يعلمون جيداً أن هذا الرجل هو "أصفر"، الإمبراطور الذي لا يرحم أحداً يقف في طريقه. تنحني الرؤوس هيبة واحتراماً، وتتسارع نبضات القلوب ترقباً لما سيحدث في الثواني القادمة التي تحمل نذير شؤم حتمي لكل من تسبب في تعكير مزاج هذا الرجل المخيف والمسيطر. يتقدم أصفر بخطوات بطيئة ومدروسة، وكل خطوة يخطوها تبدو وكأنها دقات ساعة القيامة بالنسبة للحاضرين الذين يحبسون أنفاسهم ترقباً للآتي. تلتفت ميلا بنظرات يائسة وباكية نحو مصدر الصمت المفاجئ، لتلتقي عيناها السماويتان بعينيه الحمراوين المشتعلتين بالغضب والتملك، وفي تلك اللحظة بالذات، شعرت ببصيص أمل كبير يلوح في أفق هذا الكابوس المظلم الذي تعيشه. تتذكر ذلك الوجه الحاد والرجولي جيداً، وتعرف تلك العيون الحمراء التي سكنت خيالها وأحلامها لسنوات طويلة، لتدرك غريزياً أنه منقذها الوحيد والآمن الآن من براثن هذا العجوز الفاسد. تتحرر فجأة من قبضة العجوز الذي تشتت انتباهه بالصمت المفاجئ ودخول أصفر المرعب إلى الملهى، وتأخر ردود أفعاله بسبب الخوف الذي بدأ يتسلل إلى قلبه المريض. ركضت بخطوات مسرعة ومتعثرة نحو ذلك الجسد الضخم والصلب الذي يمثل الأمان والدفء الوحيد لها في هذا المكان الموحش والمليء بالذئاب البشرية الجائعة. تندفع نحوه كالفراشة الرقيقة التي تبحث عن النور والدفء وسط عاصفة ثلجية، متجاهلة كل العيون المذعورة والفضولية التي تتابع حركتها الجريئة والمتهورة بدهشة بالغة وعدم تصديق لما يحدث أمام أعينهم. ترتمي بكامل جسدها الصغير والناعم بين ذراعيه القويتين، محتضنة خصره بقوة وتشبث طفولي غريب، وتدفن وجهها الملائكي الأبيض في صدره العريض المستنشق لرائحته الرجولية الساحرة. تستنشق عطرها المفضل الذي لطالما تذكرته، وتشعر بالدفء الفوري والأمان يتسللان إلى جسدها المرتجف من شدة الخوف والبرد والاضطراب النفسي الذي عاشته قبل لحظات قليلة بين يدي العجوز. تصرخ بنبرة باكية مرتجفة هزت كيان الرجل القوي والمخيف الذي لم يعرف الرحمة أو الضعف يوماً أمام أي مخلوق: "أصفر! أرجوك، ساعدني! لا تدعه يلمسني مرة أخرى!" توقع الجميع بلا استثناء في هذه اللحظة القاتلة والمليئة بالتوتر الشديد أن يقوم أصفر بإبعادها عنه بقسوة مفرطة وتدميرها لتجرئها على لمسه، فهو الرجل الأخطر والأغنى في البلاد، الذي لم تجرؤ امرأة يوماً على الاقتراب منه بهذه الطريقة الجريئة والمباشرة. انحنى أصفر برفق وحنان غير معهودين بتاتاً، محيطاً خصرها النحيل بيده القوية والدافئة ليرفعها إليه قليلاً، كأنها أثمن جوهرة يمتلكها في هذا العالم الواسع والتي عثر عليها أخيراً بعد طول انتظار وبحث مضنٍ. يثبت نظراته الحمراء المليئة بالشغف والحب والتملك الحارق على وجهها الشاحب وعينيها الزرقاوين الغارقتين في الدموع، قبل أن يميل برأسه ببطء شديد. يقبل شفتيها الكرزيتين الصغيرتين بقبلة عميقة وجامحة، غازياً فمها الصغير بشغف وتملك أخرس أنفاس كل من في الملهى، معلناً بطريقته الخاصة والوحشية أنها مدللته وحبيبته الخاصة التي لا يمكن لأحد المساس بها. يستمر في تقبيلها لثوانٍ دافئة بدت كأنها دهر كامل من الأمان، بينما تستسلم هي تماماً بين يديه، شاعرة بأن هذا الحضن هو موطنها الحقيقي والوحيد. تيبست أجساد الحاضرين جميعاً من شدة الصدمة والذهول، وتحول الرعب في عيونهم إلى حقيقة مرعبة وندم قاتل وهم يشاهدون هذا المشهد الخيالي وغير المتوقع يحدث أمام أعينهم المصدومة. فهم الجميع في تلك اللحظة القاتلة حجم الكارثة التي ارتكبوها بصمتهم، وأدركوا بقلوب ترتجف خوفاً أنهم لم يمنعوا رجلاً عجوزاً من التحرش بفتاة بريئة عادية، بل بمدللة وحبيبة أصفر الصغيرة، الرجل الأكثر نفوذاً وفتكاً وثراءً في البلاد بأسرها، والتي تبلغ من العمر تسعة عشر عاماً بينما هو في السادسة والعشرين من عمره، مستعد لإحراق وإبادة العالم بأسره من أجل نظرة واحدة من عينيها السماويتين الجميلتين.

End of Chapter 1